فخر الدين الرازي

94

شرح عيون الحكمة

استدلالي . فقد احتج بعضهم عليه بأن قال : الممكن هو الذي يستوى طرفاه . فلو كان أحدهما راجحا على الآخر ، لكان حصول هذا الرجحان مناقضا لذلك الاستواء وأنه يوجب الجمع بين النقيضين . وهذا الكلام ضعيف . لأن المراد من قولنا : الممكن هو الذي يستوى طرفاه : هو أن ماهيته لا تقتضى الوجود والعدم . وهذا انما يناقضه لو قلنا : ان ماهيته تقتضى أحد هذين الطرفين . فأما أن يقال : ان أحد هذين الطرفين يترجح لذاته لا بسبب منفصل ، بل لا لأمر أصلا . فهذا لا يناقض الكلام الأول . والأقوى عندي أن يقال : الممكن ما لم يحصل لأحد طرفيه رجحان على الآخر ، فإنه لا يوجد ، فمحل هذا الرجحان اما أن يكون هو ذلك الممكن أو غيره . والأول باطل لأن هذا الرجحان لما حدث بعد أن لم يكن ، كان صفة موجودة . فلو كان محل حدوثه هو هذا الممكن مع أنا فرضنا أن حصول هذا الرجحان سابقا على حصول الوجود ، فحينئذ أن يكون حلول الصفة الموجودة فيه سابقا على صيرورته موجودا في نفسه . وذلك محال . ولما بطل هذا وجب أن يكون محل هذا الرجحان هو غيره ، ويجب أن يكون ذلك الغير شيئا متى حصل فيه ذلك الرجحان حصل وجود هذا الممكن ، ولا معنى للمؤثر الا ذلك . ولنا في هذا المقام أبحاث غامضة عميقة ذكرناها في كتابنا المسمى ب « الخلق والبحث » المسألة السابعة في بيان أن الممكن ما لم يجب صدوره عن سببه ، فإنه لا يوجد قال الشيخ : « وجوده عن غيره معنى غير وجوده في نفسه ، لأن وجوده في نفسه غير مضاف . وعن غير مضاف . فإذا كان وجوده عن غيره ممكنا أيضا ولم يجب ، احتياج وجوده عن غيره في أن يحصل إلى غيره ، فيتسلسل إلى غير نهاية . وسنوضح بطلان هذا في تناهى العلل .